عبد الرحمن السهيلي
59
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية
كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأمر في السير إليهم ، ثم أعطاه امرأة ، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة ، وزعم لي غيره أنها سارة ، مولاة لبعض بنى عبد المطّلب ، وجعل لها جعلا على أن تبلّغه قريشا ، فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليه قرونها ، ثم خرجت به ؛ وأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علىّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام رضى اللّه عنهما ، فقال : أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش ، يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم ، فخرجا حتى أدركاها بالخليفة ، خليقة بنى أبى أحمد ، فاستنزلاها ، فالتمساه في رحلها ، فلم يجدا شيئا ، فقال لها علىّ بن أبي طالب : إني أحلف باللّه ما كذب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا كذبنا ؛ ولتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك ، فلما رأت الجدّ منه ، قالت : أعرض ؛ فأعرض ، فحلّت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليه ، فأتى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حاطبا ، فقال : يا حاطب ، ما حملك على هذا ؟ فقال : يا رسول اللّه ، أما واللّه إني لمؤمن باللّه ورسوله ، ما غيّرت ولا بدّلت ، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل ، فصلعتهم عليهم . فقال عمر بن الخطّاب ، يا رسول اللّه ، دعني فلأضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وما يدريك يا عمر ، لعلّ اللّه قد اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر ؛ فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم . فأنزل اللّه تعالى في حاطب : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ